العلامة المجلسي
351
بحار الأنوار
اصطفاه لوحيه ، وائتمنه على سره ، وارتضاه لخلقه ، وانتدبه لعظيم أمره ، ولضياء معالم دينه ، ومناهج سبيله ، ومفتاح وحيه ، وسببا لباب رحمته ، ابتعثه على حين فترة من الرسل ، وهدأة من العلم ( 1 ) واختلاف من الملل ، وضلال عن الحق ، وجهالة بالرب ، وكفر بالبعث والوعد ، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فصله وفضله وبينه وأوضحه وأعزه ، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد . ضرب للناس فيه الأمثال وصرف فيه الآيات لعلهم يعقلون ، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا ونذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ويكون بلاغا لقوم عابدين ، فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا . أوصيكم عباد الله وأوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدأ الأمور بعلمه ، وإليه يصير غدا ميعادها ، وبيده فناؤها وفناؤكم ، وتصرم أيامكم ، وفناء آجالكم ، وانقطاع مدتكم ، فكان قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم ، فاجعلوا عباد الله اجتهادكم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ، ليوم الآخرة الطويل فإنها دار عمل والآخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها ، فان المغتر من اغتر بها لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها ، المحبين لها ، المطمئنين إليها ، المفتونين بها أن تكون كما قال الله عز وجل " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام الآية ( 2 ) " مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته عبرة ( 3 ) ولا يصبح فيها في جناح أمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة ( 4 ) أو تغير نعمة أو زوال عافية ما فيه ، مع أن الموت من وراء
--> ( 1 ) الهدأة - بفتح الهاء وسكون الدال - : السكون عن الحركات . ( 2 ) يونس : 24 . الحبرة بالفتح - النعمة . والعبرة : الدمعة . ( 4 ) الجائحة : الآفة النبي تهلك الثمار والأموال . وكل مصيبة عظيمة .